محمد رأفت سعيد
74
تاريخ نزول القرآن الكريم
وذكر كلمة الرب مع هذا تزيل ما في نفسه من خشية أو فزع ، وكأنما يقال للرسول الكريم : هو الذي رباك فكيف يفزعك ؟ ومعنى آخر فيه تذكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بما منّ الله به عليه من تربية : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ الضحى ] ، فالتذكير بهذه النعم التي منحها الرب سبحانه تطمين للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي الوقت نفسه تحفيز لهم للقيام بواجب الشكر عليها ، وقضاء هذا الدين بلا تكاسل . والأمر الثاني : أن الشروع ملزم للإتمام ، وقد ربى الله رسوله منذ البداية فكيف يضيعه ، أي منذ أن كان علقة لم يدعه ، فكيف بعد أن صار خلقا نفسيا موحدا عارفا بالله كيف يضيعه ؟ وأما ما يتعلق بالناس فكذلك تذكير لهم بما صنع من آيات يقرون بها تدعو إلى الإيمان بالرب الخالق الرازق المنعم سبحانه ، وتؤهلهم بهذا الإيمان إلى الاستجابة لما يوحى به إليهم من أمر أو نهى فناسب ذلك أن يقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ولذلك جاء عقبها الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) [ العلق ] ، فكأن العبد يقول : ما الدليل على أنك ربى ؟ فيقول له : لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما ثم صرت موجودا ، فلا بد لك في ذاتك وصفاتك من خالق ، وهذا الخلق والإيجاد تربية يدل ذلك على أنى ربك ، وأنت مربوبى ، وفي هذا تقرير لمبدأ ثالث وهو الخلق لله وحده : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] فله الخلق الذي يلفت نظرنا إليه بصورة مطلقة تشمل كل مخلوق . « فالذي خلق » الأولى تكون بمعنى أنه الذي جعل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه ، إنه خلق كل شئ . و خَلَقَ الثانية تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات ، وذلك إما لأن التنزيل إليه ، أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض باختصاص الله له بوحيه وشرعه وتكريمه ، وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 ) [ الإسراء ] ففي ذلك التخصيص تعميم لخلق الإنسان ودلالة على عجيب قدرته ؛ ولذلك احتج جماعة من العلماء بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى ، قالوا : لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات ، وكل صفة هذا شأنها ؛ فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها . فالربوبية إشارة إلى الخالقية . وهذه المعاني التي نقف عليها في هذا التنزيل تضع